فخر الدين الرازي
148
تفسير الرازي
أفلح من تزكى ) * عن الكفر الذي مر ذكره قبل هذه الآية والثاني : أن الاسم المطلق ينصرف إلى المسمى الكامل ، وأكمل أنواع التزكية هو تزكية القلب عن ظلمة الكفر فوجب صرف هذا المطلق إليه ، ويتأكد هذا التأويل بما روي عن ابن عباس أنه قال معنى : * ( تزكى ) * قول : لا إله إلا الله . أما قوله تعالى : * ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) * . ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجوهاً . أحدها : قال ابن عباس : ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له . وأقول : هذا التفسير متعين وذلك لأن مراتب أعمال المكلف ثلاثة أولها : إزالة العقائد الفاسدة عن القلب وثانيها : استحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه وثالثها : الاشتغال بخدمته . فالمرتبة الأولى : هي المراد بالتزكية في قوله : * ( قد أفلح من تزكى ) * ( الأعلى : 14 ) . وثانيها : هي المراد بقوله : * ( وذكر اسم ربه ) * فإن الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة . وثالثها : الخدمة وهي المراد بقوله : * ( فصلى ) * فإن الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه ، لا بد وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع . وثانيها : قال قوم من المفسرين قوله : * ( قد أفلح من تزكى ) * يعني من تصدق قبل مروره إلى العيد : * ( وذكر اسم ربه فصلى ) * يعني ثم صلى صلاة العيد بعد ذلك مع الإمام . وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمر وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفسير فيه إشكال من وجهين الأول : أن عادة الله تعالى في القرآن تقديم ذكر الصلاة على ذكر الزكاة لا تقديم الزكاة على الصلاة والثاني : قال الثعلبي : هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . أجاب الواحدي عنه بأنه لا يمتنع أن يقال : لما كان في معلوم الله تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك وثالثها : قال مقاتل : * ( قد أفلح من تزكى ) * ( الأعلى : 14 ) أي تصدق من ماله وذكر ربه بالتوحيد في الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول الزكاة والصلاة المفروضتين ، والوجه الأول ليس كذلك ورابعها : * ( قد أفلح من تزكى ) * ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من الرياء والتقصير ، لأن اللفظ المعتاد أن يقال : في المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى : * ( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) * ( فاطر : 18 ) ، وخامسها : قال ابن عباس : * ( وذكر اسم ربه ) * أي كبر في خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد وسادسها : المعنى وذكر اسم ربه في صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين حيث يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً .